شعور العجز…


 شعور العجز… عندما تصبح الحياة أثقل من قدرتي على الاحتمال


لم أكن أظن يومًا أنني سأصل إلى مرحلة أشعر فيها بالعجز بهذا العمق.

كنت أعتقد أن القوة تعني الاستمرار مهما حدث، وأن الصبر يعني الصمت، وأن الإيمان يمنع الانكسار.

لكنني اكتشفت متأخرة أن أقسى ما يمكن أن يمر به الإنسان ليس الألم نفسه، بل الشعور بالعجز أمام الألم…

أن تريد النجاة، ولا تعرف كيف.

أن تحاول، ثم تحاول، ثم تجد نفسك واقفًا في نفس المكان، متعبًا أكثر، وصامتًا أكثر.

هذا المقال ليس تنظيرًا، بل اعتراف.

هو حديث صادق عن شعور العجز كما عشته، وكما لا يجرؤ الكثيرون على وصفه.

كيف بدأ شعور العجز في حياتي؟

لم يدخل العجز حياتي فجأة، بل تسلل بهدوء.

بدأ بتعب بسيط، ثم ثقل في القلب، ثم أسئلة بلا أجوبة.

كنت أفعل كل ما يُطلب مني: أصبر، أتوكل، أبتسم، أُخفي ألمي…

لكن في داخلي كان شيء ما ينكسر ببطء.

أصعب لحظة ليست حين تتألم،

بل حين تدرك أنك لا تملك السيطرة على ما يحدث لك،

وأن قوتك التي كنت تعتمد عليها لم تعد كافية.

العجز النفسي… الألم الذي لا يُرى

العجز النفسي لا يترك كدمات على الجسد، لكنه ينهك الروح.

يجعلك تشك في نفسك، في قراراتك، وفي قيمتك.

تسأل نفسك بصوت خافت:

هل أنا ضعيف؟

لماذا لا أستطيع تجاوز هذا مثل الآخرين؟

والحقيقة التي تعلمتها بصعوبة هي:

العجز لا يعني الضعف، بل يعني أنك وصلت إلى حدٍّ حاولت فيه بكل ما تملك.

عندما تصبح المقارنة سكينًا

كنت أرى من حولي يكملون حياتهم:

يضحكون، ينجحون، يخططون للمستقبل…

وأنا كنت عالقًا في داخلي.

كنت ألوم نفسي كثيرًا، وأقارن ألمي بقدرة الآخرين على التحمل.

لكنني نسيت شيئًا مهمًا:

نحن لا نملك نفس الظروف، ولا نفس القلوب، ولا نفس الأحمال.

كل إنسان له معركته الخاصة،

وما يبدو قوة عند غيرك قد يكون مجرد قناع.

العجز والمرض… أو الابتلاء الذي لا يُرى

في لحظات المرض أو الابتلاء الطويل، يتضاعف شعور العجز.

تشعر أن جسدك خانك، وأن الحياة أبطأت دون استئذان.

تحاول أن تكون قويًا، لكنك تتعب.

تحاول أن تتفاءل، لكنك تُرهق.

العجز هنا ليس فقط جسديًا، بل نفسي وروحي.

أن تدعو كثيرًا، وتنتظر أكثر،

وتسأل الله بقلب موجوع: إلى متى؟

الصمت… الوجه الآخر للعجز

أكثر ما يؤلمني في شعور العجز هو الصمت الذي يفرضه.

لا تريد أن تشرح،

ولا تريد أن تُشفق على نفسك أمام الآخرين،

ولا تريد أن تكون عبئًا.

فتختار الصمت،

وتتحمل وحدك.

لكن الصمت الطويل يترك أثرًا…

يجعل الألم يتكاثر في الداخل.

ماذا علّمني شعور العجز؟

رغم قسوته، علّمني العجز أشياء لم أكن لأتعلمها بالقوة:

علّمني أن أكون أرحم مع نفسي

علّمني أن القوة ليست في التحمل الدائم، بل في الاعتراف بالتعب

علّمني أن التوكل ليس انتظار المعجزة فقط، بل القبول بما لا أستطيع تغييره

علّمني أن الله أقرب إلينا في لحظات الانكسار أكثر مما نظن

بين العجز والاستسلام… فرق كبير

هناك فرق كبير بين أن تشعر بالعجز،

وبين أن تستسلم له.

العجز شعور إنساني مؤقت،

أما الاستسلام فهو قرار.

كنت عاجزًا نعم،

لكنني لم أقرر التوقف عن المحاولة، حتى لو كانت محاولتي مجرد دعاء صامت أو نية صادقة.

كيف أتعامل اليوم مع شعور العجز؟

تعلمت ببطء، وبألم، أن أتعامل معه لا أن أهرب منه:

أعترف به

لم أعد أنكر تعبي أو أُجبر نفسي على التظاهر بالقوة.

أقلل قسوتي على نفسي

توقفت عن جلد ذاتي بسبب تأخري أو ضعفي.

أبحث عن الأمل الصغير

ليس حلمًا كبيرًا، بل سببًا بسيطًا للاستمرار.

أترك الأمر لله

حين تعجز كل الأسباب، يبقى الله هو السبب الأقوى.

رسالة لكل من يشعر بالعجز الآن

إذا كنت تشعر أن هذا المقال يشبهك،

فاعلم أنك لست وحدك.

العجز لا يُنقص منك،

ولا يُلغي قيمتك،

ولا يعني أن نهايتك اقتربت.

أحيانًا، يكون العجز هو المرحلة التي تسبق التحول،

والتعب هو الطريق الذي يقود للراحة،

والصبر هو الشكل الأجمل للقوة.

خاتمة: العجز ليس نهاية الطريق

اليوم، ما زلت أتعلم.

ما زلت أضعف أحيانًا، وأقوى أحيانًا أخرى.

لكنني لم أعد أخجل من شعور العجز.

لأنني فهمت أخيرًا أن الله لا يبتلينا ليكسرنا،

بل ليُقرّبنا منه،

وليعلّمنا أن بعض الأبواب لا تُفتح بالقوة… بل باليقين.

تعليقات